المقداد السيوري

584

اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية

أحدهما : أنّه تخصيص بلا مخصّص ؛ لأنّ ما دون الشرك يقع على الكبير والصغير ، واللّه تعالى أطلق أنّه يغفر ما دونه ، فلا يجوز تخصيصه من غير دليل . الثاني : أنّ الصغائر تقع محبطة فلا تجوز المؤاخذة بها عند الخصم ، وما هذا حكمه لا يجوز تعليقه بالمشيئة ، وقد علّق اللّه تعالى غفران ما دون الشرك بالمشيئة ؛ لأنّه قال : لِمَنْ يَشاءُ . فإن قيل : تعليقه بالمشيئة يدلّ على أنّه لا يغفر ما دون الشرك قطعا . قلنا : المشيئة دخلت في المغفور له لا فيما يغفر ، بل الظاهر يقتضي أنّه يغفر ما دون الشرك قطعا ، لكن لمن يشاء من عباده ، وبذلك تسقط شبهة من قال : القطع على غفران ما دون الشرك من غير توبة إغراء بالقبيح الذي هو دون الشرك ؛ لأنّه إنّما يكون إغراء لو قطع على أنّه يغفر ذلك لكلّ أحد ، فأمّا إذا علّق غفرانه لمن يشاء فلا إغراء ؛ لأنّه لا أحد إلّا وهو يجوز أن يغفر له كما يجوز أن يؤاخذ به ، فالزجر حاصل على كلّ حال . ومتى عارضوا هذه الآية بآيات الوعيد كقوله : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً وقوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وقوله : إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ كان لنا أن نقول : العموم لا صيغة له فمن أين لكم أنّ المراد به جميع العصاة ؟ ثمّ نقول : نحن نخص آياتكم بهذه الآية ونحملها على الكفار . فمتى قالوا لنا : بل نحن نحمل آياتكم على أصحاب الصغائر ، فقد تعارضت الآيات ووقفنا وجوّزنا العفو لمجرّد العقل وهو غرضنا . وقال ابن عمر : لمّا نزل قوله : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ظنّ قوم أنّه تعالى يغفر الشرك أيضا فأنزل اللّه هذه الآية ، وقال ابن عمر : ما كنّا نشكّ معشر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في قاتل المؤمن وآكل مال اليتيم وشاهد الزور وقاطع الرحم حتّى نزلت هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فأمسكنا عن هذه الشهادة .